2- مكانة اللغــة :
للغة العربية مكانة سامية ، ومنزلة رفيعة في نفوس أبنائها المحبين لها ، والغيورين عليها ، والعارفين قدرها ومكانتها ، وذلك لكونها لغة القرآن الكريم، بها تنزل على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم،( نزل به الروح الأمين . على قلبك لتكون من المنذرين . بلسان عربي مبين ). [AM1] وقد أرسل الله – عز وجل – رسولهصلى الله عليه وسلمللناس كافة بشيراً ونذيراً ، ولم يُرسَلْ إلى العرب خاصة ، كما يصور ذلك بعض الجهلة أو الحاقدين ، إنما أرسل لجميع البشر ؛ عربهم وعجمهم، وهو عليه الصلاة والسلام آخر الأنبياء ؛ فجاءت رسالته
كاملة شاملة.
وقد اختار الله - عز وجل – اللغة العربية لتكون آخر كتبه ، لغة القرآن الكريم ( إنا جعلناه قرآنا عربيا لّعلّكم
تعقلون)[AM2] وهذا الاختيار من الله - عز وجل – لهذه اللغة إنما تعود إلى ما تمتاز به من مرونة واتساع ، وقدرة على الاشتقاق ،
والنحت والتصريف ، وغنى في المفردات والصيغ والأوزان.
يقول عباس محمود العقاد : " فإذا قيس اللسان العربي بمقاييس علم الألسنة فليس في اللغات لغة أوفى منه بشروط اللغة في ألفاظها ،
وقواعدها ، ويحق لنا أن نعتبر أنها أوفى اللغات جميعها بمقياس بسيط واضح لا خلاف عليه وهو مقياس جهاز النطق في الإنسان ، فإن اللغة العربية تستخدم هذا الجهاز الإنساني على أتمه وأحسنه ولا تهمل
وظيفة واحدة من وظائفه كما يحدث ذلك في أكثر الأبجديات اللغوية ، فلا التباس في حرف من حروفها بين مخرجين ، ولا في مخرج من مخارجها بين حرفين.., وقد تشاركها اللغات في بعض هذه المزايا ، ولكنها لا
تجمعها كما جمعتها ، ولا تفوقها في واحدة منها .." (1)[AM3] ويقول ابن فارس :" قال بعض الفقهاء : كلام العرب لا يحيط به إلا نبي ، وهذا كلام حري أن يكون صحيحاً ، وما بلغنا أن
أحداً ممن مضى ادعى حفظ اللغة كلها ..." (2)[AM4] وقال: " وقال بعض علمائنا حين ذكر ما للعرب من الاستعارة والتمثيل والقلب والتقديم والأخير وغيرها من سنن العرب في
القرآن . فقال : ولذلك لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقله إلى شيء من الألسنة كما نقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية وترجمت التوراة والزبور وسائر كتب الله – عز وجل – بالعربية ، لأن
العجم لم تتسع في المجاز اتساع العرب..."(3)[AM5] " ومما لايمكن نقله البتة أوصاف السيف والأسد والرمح ، وغير ذلك من الأسماء المترادفة ن ومن المعلوم أن العجم
لا تعرف للأسد اسما غير واحد أما نحن فنخرج له خمسين ومئة اسم ، وحدثني أحمد بن بندار ، قال : سمعت أبا عبد الله بن خالويه الهمذاني يقول جمعت للأسد خمسمئة اسم وللحية مئتين..."(
4)[AM6]
هذه الخصائص الفريدة والمزايا الكثيرة هي التي رشحت هذه اللغة لتكون لغة القرآن الكريم ، فشرفت بهذا الاختيار ، وازدادت سمواً ورفعة.
[AM1]سورة الشعراء الآيات 193-195
[AM2] سورة الزخرف الآية 3
[AM3]أشتات مجتمعات في اللغة والأدب 11،12
[AM4]الصاحبي ص:26 وقد نقله السيوطي في المزهر 1/64
[AM5]الصاحبي ص:17
[AM6]الصاحبي ص:21