1- وبعد هذا الاختلاف فقد لخص مجمع اللغة العربية بالقاهرة الأحاديث التي يصح الاستشهاد بها فأصدر قراراً بهذا الشأن :-

1- لا يحتج في العربية بحديث لا يوجد في الكتب المدونة في الصدر الأول كالكتب الصحاح في السنة النبوية فما قبلها .

2- يحتج بالحديث المدون في هذه الكتب الآنفة الذكر على الوجه الآتي :-

أ-الأحاديث المتواترة المشهورة .

ب-الأحاديث التي تستعمل ألفاظها في العبادات .

ج-الأحاديث التي تعد من جوامع الكلم.

د-كتب النبي صلى الله عليه وسلم .

هـ-الأحاديث المروية لبيان أنه صلى الله عليه وسلم يخاطب كل قوم بلغتهم .

و-الأحاديث التي عرف من حال روايتها أنهم لا يجيزون رواية الحديث بالمعنى مثل القاسم  ابن   محمد ورجاء بن حيوه وابن سيرين .

ز-الأحاديث التي دونها من نشأ بين العرب الفصحاء .

ح-الأحاديث المروية من طرق متعدد وألفاظها واحدة .

الاختلاف في الاحتجاج بالشعر العربي

أنس النحويون إلى الشعر وأحسوا أنه يمثل لغة العرب ، فمادته خصيبة وفيرة مع سهولة الحفظ والرواية فاعتمدوا عليه . والملاحظ أن الاحتجاج بالشعر أفشى وأشيع كثيراً من الاحتجاج بكلام العرب النثري ، ولعل هذا سببه شيوع حفظ الشعر لأن إيقاعاتـه تساعد على ذلك وحظوره الدائم في ذاكرة الأئمة ،ونتيجة الإيقاع كان الحفظ وبذلك نال الشعر عنصر الضبط الذي جعله حرياً بأن يتصدر ويصل إلى مرتبة عليا من الاحتجاج .

واحتلت الشواهد الشعرية اهتمام النحاة منذ القديم ، فشواهد سيبويه قامت حولها دراسات لشرحها وتحليلها وظهرت بذلك مؤلفات وفي مقدمتها شرح أبيات سيبويه لأبي جعفر النحاس ، وشرح أبيات سيبويه لابن السيرا في وغيرهما .

ولكن الشعر له أسلوبه وله ألفاظه وله إيقاعاته وله قيوده من وزن وقافية ، ويتناول موضوعات خاصة تفرض على الشاعر قيوداً لا تفرض عليه أثناء كلامه العادي . وقد تضر هذه القيود الشاعر إلى الضرورة ويقف الشاعر حيرانا بين القاعدة النحوية والموسيقى الشعرية . وهذا قد يؤدي إلى تأثير اللغة التي يضطرون إليها فتجري على ألسنتهم في غير الشعر ‌أيضاً ، والأخطر من ذلك أن يستنبط قاعدة نحوية من بيت خطأ . فإلى أي مدى يمكن اعتبار صلاحية الأساليب الشعرية لبناء القاعدة النحوية ؟

          إن القدماءأحسوا بهذا الأمر ولم يغفلوه فتحدثوا عن الضرورات الشعرية فنهم من عدها خطأ يقع فيه الشاعر وعليه إصلاح الخطأ ومنهم من عدها أن لا مندوحة للشاعر عنها 020 وعلى هذا فهل كان العلماء القدماء على حق حين عدوا الشعر هو الطبقة العليا من كلامهم فوضعوا قواعدهم في ضوئه ؟ أم أنهم أخطأوا؟!

الاختلاف في الاحتجاج بالنثر العربي  :

الذي يبدو للمتصور والناظر في علوم العربية أن النثر العربي أقرب إلى تصوير واقع اللغة ، فالنثر يمثل الأسلوب العام لاستعمال اللغة دون ضرورات أو قيود تفرض على القائل كما هي في الشعر . والنثر كما ( هو معروف ) يقسم عادة في الدراسات الأدبية إلى قسمين ، الأول : النثر الفتي ويشمل الخطب والرسائل والحكم والأمثال . والثاني : النثر العادي ويتمثل في لغة الحديث والتخاطب اليومي .

أولاً : الـنـثــر الــفــنـي :

أ‌-           الخطب

اشتهر العرب بالخطابة ، حيث كانـت الوسيلة الإعلامية الأولى لهم ، فكان الحاكم أو رئيس القبيلة يصعد منبره ويلقي بخطبته على الملأ ويوصل ما أراد بهذه الطريقة .

 

1-   عصور الاحتجاج 1|166 .

2- انظر عصور الاحتجاج 1|187 _ 190 .

3-            وكان كثير من الخطباء اشتهروا بالفصاحة وحسن الأداء حتى إنه ضرب فيهم المثل ، ومع شهرة الخطابة عند العرب لم يعد إليها  الباحثون القدماء لابراز القواعد النحوية والوقوف على الأساليب العربية من خلالها . بل تركوا مع ما فيها من قيمة عظيمة .

4- ولكن لماذا ترك النحاة الخطابة ولم يحفلوا بها ؟ وهل كــانوا عـلى صواب فـي هـذا ؟

5- إن الذي دفعهم إلى ذلك هو عدم الوثوق بالنص الخطابي ، فقد كانوا يتحررون الدقة في النصوص التي يعتمدون عليه . فالخطب لم تعلق بالأذهان تعلق الشعر ، فلم يعد هنا اطمئنان كامل بأن هذه الخطب تمثل البيئة التي يريدون ، ذلك لأن الخطب جمعت في وقت متأخر واعتمد في ضبطها على القاعدة النحوية ولم تعتمد لتقرير القاعدة النحوية 010 .

6- ب: الرسائل .

7-  لم تكن الرسائل بشهرة الخطب ولم تكن لها أهمية كما كانت للخطب . لكنها تتميز عنها بميزة التدوين ، فرسائل الرسول صلى الله عليه وسلم ورسائل الخلفاء والقادة والولاة كلها تمثل نموذجاً يمكن الاعتماد عليه في تقرير القواعد النحوية . والذي حدث أننا لا نجد العلماء ـ التفتوا إليها مع أنها وثائق مكتوبة 020 فهل كان هناك أسباب جعلتهم يحجمون عن ذلك ؟ وما هي ؟ .

ج: الحكم والأمثال .

          أما الحكم والأمثال فهي كثيرة في كتبهم ولا يخلو كتاب منها ، وأخذت حظاً من الاستشهاد أكثر من الخطب والرسائل ، وذلك لقصرها وسهولة حفظها ، غير أن للأمثال تجاوزات ومخالفات للقاعدة النحوية كما نرى في كثير من الأمثال التي أحصيت مخالفة الاستعمال ، كما يقال (( أعط القوس باريها )) وغير ذلك .

والذي يظهر أن النحاة تعاملوا مع الشعر فتسامحوا فيها كما تسامحوا في الشعر وضروراته 030 .

ثانياً :   النثر العادي { لغة التخاطب } .

يحمد للنحاة أنهم التفتوا إلى لغة الحديث اليومي ، إلى لغة الحديث اليومي ، حيث إنها تحمل في طياتها كثيرا من الاستعمالات اللغوية والأساليب العربية . ونجد النحاة استشهدوا في كتبهم بلغة الحديث اليومي معتمدين في ذلك على المشافهة مع الإعراب أو السماع عن الرواة الثقات ، فنجد عبارات في كتاب سيبويه تشير إلى تلك الظاهرة كأن يقول : سمعنا من بعض الموثوق بهم ، أو عربي أثق بعربيته ، والعرب تقول ، والعرب الموثوق بعربيتهم وغير ذلك . ونهج هذا المنهج أيضا الفراء في معاني القرآن الكريم فيقول : سمعت بعض الأعراب ، أو يقول ، والعرب تقول 040 ..واعتمد النحاة بعدهم على هذه العبارات وعدوها حجة قاطعة . والأمر الذي يؤخذ على العلماء في نقلوه ، إنهم نقلوا هذه الأقوال ولم يحددوا أو ينسبوا ذلك للبيئة اللهجية التي نقلوا عنها ، فجاءت بعض العبارات مخالفة لما قرروا من قواعد ، وكذلك أدى ذلك إلى تضخم المعاجم اللغوية .

وبعد هذا نجد أن العلماء قد تركوا أشياء لم يعتمدوا عليها في تقرير القاعدة النحوية واعتمدوا أشياء لم يكونوا ليعتمدوا عليها . فما موقفنا نحن من هذا ؟ لابد أن أردنا دراسة نحونا والنظر في قواعده أن ننظر إلى التطابق الـتام بين لغة الشعر ولغة النثر . وإذا رأينا ذلك مستحيلا فإنه لابد أن نحث عن الحال التي يكون فيها لغة النثر ولغة الشعر شيئا واحدا ، والتي فيها تعتبر اللغتان معا نواة اللغة مشتركة ، دون أن نفرض سلطان أسلوب الشعر على أسلوب النثر  050.

مآخذ عـلى مــواقـف النحاة :

لقد أبدع علماؤنا القدماء في فرز اللغة وعرفوا ما يروون وما يتركون . فوضعوا المقاييس لذلك، ولم يـخل عملهم هذا من بعض السقطات التي وقعوا فيها ، وعلينا الاستفادة مما وقعوا فيه .

 

1 - إن إيقاف الاحتجاج على لغة عصر الاحتجاج يعني الحكم بإيقاف نمو اللغة عند الحد الذي وقفت عنده في تلك الحقبة ، وذلك شيء يضاد طبيعة اللغة 010 .                                                                                                            2 - التعميم ، فكان الامتناع عن الأخذ عن قبيلة بأسرها مع إغفال العلماء أن هناك فروقا فردية بين أبنا القبيلة . 

3-  التشدد ، ويظهر ذلك في التبكير في تحديد الإطار الزمني وهذا حرم اللغة من بعض الأساليب والمفردات بعض الصيغ ، وكذلك التشدد في رد بعض القراءات .

4-لم ينسبوا اللغات وتعدداتها إلى قبائلها فتجد في استعمالهم كلاما من قبيلة أسد ومن تميم ومن كلام قريـش وهكذا ، فقـام النحو على خليط من اللهجات لا نظام له ولذلك ظهر الشذوذ في القواعد .

___________________________________________________

1-    انظر عصور الاحتجاج 1|171            2- انظر السابق 1|172

3-انظر عصور الاحتجاج 1|172 ، 173       4-انظر السابـق 1|190 ، 181

 

5-لم يولَ الرواة أهمية من حيث دراسـة أحوالهم ومن حيث الثقة والضبط أو الوضع والخلط ،فلم نعرف عن الرواة ما عرفنا عن المحدثين غير القليل .

6- وكذلك النصـوص لم يحققوا لها سـندا ولا متنا ، أما الـسند فكثيرا ما تجد الشاهـد فـي كتبهم منسوبـا إلى غيــر

قائله ، وأما المتـن فكثيرا ما تجده مرويا عندهم على غير الصـحيح ويبنون قاعدتهم علـى موضـع الخطأ منه 020 .

7 دخول الأهواء والأمزجة في أطر الاحتجاج فنــجد العلمـاء تركـوا الاحتجاج بــشعراء داخـل الأطـر لاشيء  وإنمـا لا هوائهم ، وظهر على الشعراء الذين شغلوا أنفسهم بالشراب والمجون مثل ابـن قـيـس الرقيات والأحوص وأبي نواس .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-انظر الاحتجاج بالشعر 104 .

2- انظر في أصول النحو 70 75 .

 

المـراجــع

                                                                                                                                         1- الاحتجاج بالشعر في اللغة ، محمد حسن حبل ، دار الفكر العربي - القاهرة 1986 .

2- أصول النحو العربي ، محمد خير الحلواني ، جامعة تشرين 1979 .

8- الاقتراح في علم أصول النحو ، السيوطي تحقيق أحمد محمد قاسم ، القاهرة 1976 .

9- خزانة الأدب عبد القادر البغدادي ، تحقيق عبد السلام هارون ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، الطبعة الثانية ، 1979 .

10-       دراسات في كتـاب سيبويه ، د . خديجة الحديثي ، وكالة المطبوعات الكويت .

11-       الرواية والاستشهاد في اللغة ، د . محمد عيد ، عالم الكتب القاهرة 1976 .

12-       ظاهرة الشذوذ في النحو العربي ، د . فتحي الدجني ، وكالة المطبوعات الكويت الطبعة الأولى 1974 .

13-       عصور الاحتجاج في النحوي العربي ، د . محمد عباده دار المعارف 1980 .

14-       القياس في اللغة العربية ، محمد الخضر حسين دار الحداثة ، الطبعة الثانية 1983 .

15-       في أصول النحو ، سعيد الأفغاني ، الطبعة الثالثة مطبعة جامعة دمشـق 1964 .

                                      

   محمود إبراهيم

arabicme@yahoo.com

alnamrout@yahoo.com

alnamrout@hotmail.com

 

 

" "▲

للأعلى                                                                 الســــابق