الإِيجازُ والمُساواة
الأَمثلة
(1) قال تعالى :
" وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجدُوهُ عنْدَ الله " .
(2) وقال تعالى :
" وَلاَ يَحيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بأَهْله1 " .
(3) وقال النابغة الذبيانيُّ :
فَإِنَّكَ كَاللَّيْل الَّذِي هُوَ مُدْركي وإِن خِلْتُ أَنَّ الْمُنْتَأَى عَنْكَ وَاسِع2
(4) وقال طَرَفةُ بنُ العَبْد :
سَتُبْدِي لكَ الأَيامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً وَيَأْتيكَ بالأَخْبَار مَنْ لَمْ تُزَوَّدِ3
البحث
يختارُ البليغُ للتعبير عما في نفسه طريقاً من طرق ثلاث ؛ فهو تارة يُوجزُ ، وتارة يُسْهبُ ، وتارة يأْتي بالعبارة بَيْن بَيْن ، على حسب ما تقتضيه حالُ المخاطب ويدعوا إِليه موْطنُ الخطاب ، ونريد هنا أَن نشرح هذه الطرق الثلاث ، وسنبدأ بالمساواة لأَنها الأَصل المقيسُ عليه .
تأَمل الأَمثلة المتقدمة تجد الأَلفاظ فيها بقدر المعاني ، وأَنك لو حاولت أَن تَزيد فيها لفظاً لجاءَت الزيادة فضلاً ، أَو أَردتَ إِسْقاط كلمة لكان ذلك إِخلالاً ، فالأَلفاظ في كل مثال مساويه للمعاني ، ولذلك يُسَمّى أَداءُ الكلام على هذَا النحو
مساواة .القاعدة
(75) الْمُسَاوَاةُ أَنْ تَكونَ الْمعَاني بقَدْر الأَلْفَاظِ ، وَالأَلْفَاظُ بقَدْر الْمَعاني ، لاَ يَزيدُ بَعْضُهاَ عَلَى بَعْضٍ .
(2) الإِيــــجَازُ
(1) قال تعالى :
" أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ " .
(2) وقال صلى الله عليه وسلم :
" الضَّعِيفُ أَميرُ الرَّكْب1 " .
(3) وقيل لأَعْرَابيٍّ يَسوق مالاً2 كثيراً :
" لِمَنْ هَذا الْمالُ ؟ فقال : لله فِي يَدِي " .
(4) قال تعالى :
" وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفاًّ صَفاًّ " .
(5) وقال تعالى :
" ق وَالْقُرْآن الْمَجيِد ، بَلْ عَجبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ " .
(6) وقال تعالى في حكاية موسى عليه السلام مع ابْنَتَيْ شُعَيْب :
" فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالِ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَّى منْ خَيْرٍ فَقِير ، فَجَاءَتْه إِحْدَاهُمَا تَمشِي على اسْتِحْيَاءٍ ٍ قَالَتْ إِنَّ أَبي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيتَ لَنَا " .
البحث
تأَمل أَمثلة الطائفة الأُولى تجد أَن أَلفاظها في كل مثال على قِلَّتها جمعتْ معاني كثيرةً متزاحمة ، فالمثال الأول تضَمَّن كلمتين اسْتَوْعبتا جميع الأَشياء والشئون على وجْهِ الاستقصاء ، حتى لقد رُويَ أَن ابن عُمَر رضي الله عنه قرأَها فقال : " منْ بقي له شيءٌ فَلْيطلبه " ، والمثال الثاني آية في البلاغة والحسن ، فقد جمع من آداب السفر والعطف على الضعيف ما لا يسهل على البليغ أَن يُعبِّر عنه إِلاَّ بالقول المُسْهَب الطويل ، وكذلك الحال في المثال الثالث ، وهذا الأُسلوب من الكلام يسمى
إيجازاً ، ولما كان مدار الإِيجاز هنا على اتساع الأَلفاظ القليلة للمعاني المتكاثرة والأَغراض المتزاحمة ، لا على حذف بعض كلمات أَو جمل ، سمّي إيجاز قِصَر .تأَمل أَمثلة الطائفة الثانية تجد أَنها مُوجَزَةٌ أَيضاً ، وإِذا أَردت أَن تَعْرف سِرَّ الإِيجاز فيها فانظر إِلى المثال الأَول تجد أَنه قد حُذف منه كلمة ، إِذ تقدير الكلام فيه " وجاءِ أَمر ربك " ، وانظر إِلى المثال الثاني تجد أَنه حُذف منه جملة هي جواب القسم ، إِذ تقدير الكلام " ق والقرآن المجيدِ " لَتُبْعثُنَّ ، أَمَّا المثال الثالث فالمحذوف فيه جُمل عدة ، ونَظم الكلام من غير حذف أَن يقال : فَذّهبتاَ إِلى أَبيهما ، وقصَّتا عليه ما كان من أَمر موسى ، فأَرسل إِليه ، " فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشي على اسْتِحْياء " .
ولما كان سبب الإِيجاز في هذه الأَمثلة هو الحذف سُمي إيجاز حذف ويشترط في هذا النوع من الإِيجاز أَن يقوم دليل على المحذوف ، وإِلا كان الحذف ريئاً والكلام غيرَ مقبول .
القاعدة
(66)
الإِيجَازُ جَمْعُ الْمَعَاني المُتَكاثِرَةِ تَحتَ اللَّفْظِ الْقَلِيل مَعَ الإِبانةِ وَالإِفْصَاح ، وَهُوَ نَوْعَان ...
إِيجازُ
قِصَرٍ ، وَيكونُ بتَضْمِين الْعِبارَاتِ
الْقَصِيرَةِ مَعَانِيَ قَصِيرَةٍ مِنْ
غَيْر حَذْفٍ .
إِيجَازُ
حَذْفٍ ، ويَكونُ بحَذْفِ كلِمَةٍ1
أَوْ جُمْلَة أَوْ أَكْثرَ مَعَ قَرينَةٍ
تُعَيِّن الْمَحْذُوفَ .
نَمُوذَجٌ
لبيان نوع الإِيجاز في العبارات الآتية ...
(1) قال تعالى :
" أُولئكَ لَهُمُ الأَمْن " .
(2) وقال تعالى :
" تالله تَفتأُ تَذْكُرُ يُوسُف " .
(3) وقال تعالى :
" أَخْرج مِنها ماءَها ومرْعاها " .
(4) وقال تعالى :
" فَأَمَّا الذينَ اسْودَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بعْد إِيمانِكم " .
(5) وقال تعالى :
" ولوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرت بهِ الجبالُ ، أَو قُطِّعتْ بهِ الأَرضُ ، أَو كُلِّم بهِ الموْتى ، بلْ للهِ الأَمْرُ جميعاً " .
(6) وقال أَبو الطيب :
أَتى الزَّمانَ بنُوهُ في شَبيبتِهِ فَسرَّهمْ وأَتيْناهُ على الهَرَم2ِ
(7) أَكلت فاكهة وماءً .
الإِجابة
(1) في الآية إِيجاز قِصَر ؛ لأَن كلمة " الأَمن " يدخل تحتها كلُّ أَمر محبوب ،(2) فقد انْتَفَى بها أَن يخافوا فقراً ،(3) أَو موتاً ،(4) أَو جوْراً ،(5) أَو زوال نعمة ،(6) أَو غير ذلك من أَصناف المكاره .
(7) في الآية إِيجاز حذف ،(8) لأَن المعنى " تالله لا تفتأُ تذكر يوسف " فحذِف حرف النفي .
(9) في الآية إِيجاز قصر ،(10) فقد دل الله سبحانه بكلمتين على جميع ما أَخرجه من الأَرض قوتاً ومتاعاً للناس من العُشب والشجر والحطب واللِّباس والنار والماء .
(11) في الآية إِيجاز حذف ،(12) فقد حُذِف جوابُ أَمَّا ،(13) وأَصل الكلام " فيقال لهم أَكَفَرْتَمْ بعْد إِيمانِكم " .
(14) في الآية إِيجاز بحذف جواب لو ،(15) إِذ تقدير الكلام لكان هذا القرآن .
(16) في البيت إِيجاز بحذف جملة : والتقدير وأَتيناه على الهَرم فساءَنا .
(17) في العبارة إِيجاز بحذف جملة ،
(18) إِذ التقدير وشَربْت ماءً .تمرينات
بين نوع الإِيجاز فيما يأْتى ووضح السبب :
(1) قال تعالي :
" وما كانَ معهُ مِنْ إِلهٍ ، إِذًا لذَهب كُلُّ إِلهٍ بِما خلَق ولَعَلاَ بعْضُهُمْ على بعض " .
(2)
وقال تعالي : " خُذِ العفْوَ وأْمُرْ بالعُرْفِ وأَعْرض عن الْجاهِلينَ1 " .(3)
وقال عليه الصلاة والسلام : " إِن من البيان لَسِحْراً " .(4)
وقال تعالي في وصف الجنة : " فيها ما تَشْتَهيهِ الأَنْفُسُ وتلَذُّ الأَعْيُنُ " .(5)
وقال تعالي : " ولَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ2 " .(6) وقال تعالي : " وإِنْ يُكذِّبُوك فقد كُذِّبتْ رُسُلٌ مِنْ قبْلِك " .
(7) وقال
صلى الله عليه وسلم : " الطَّمعُ فقر واليأْسُ غِنًى " .(8) وقال علي كرم الله وجهه :
" آله الرياسة سعةُ الصدرِ " .(8) ويُنْسبُ للسَّموْءَل :
وإِنْ هُو لَمْ يحْمِلْ علَى النَّفْس ضَيْمهَا فلَيْسَ إِلى حُسْن الثنَاءِ سبيلُ1
(9) وقال تعالي في وصف انتهاء حادثة الطوفان :
" وقِيلَ يا أَرْضُ ابْلعى ماءَك ، ويا سماءُ أَقْلِعى وغِيضَ الْماءُ ، وقُضِىَ الأَمْرُ ، واسْتَوتْ على الْجودِىِّ ، وقيل بُعْداً لِلْقوْمِ الظَّالِمِين2 " .
(2)
بيِّن جمال الإِيجاز فيما يأْتي واذكر من أَى نوع هو:
(1) كتب طاهرُ بن الحسين إِلى المأْمون وكان واليَهُ عُمَّاله بعد هزْمه عسْكَرَ علي بن عيسى بن ماهان3 وقتله إِياه :
" كتابي إِلي أمير المومنين ، ورأْسُ علي بن عيسى بن ماهان بين يدَى وخَاتمُهُ في يدِى ، وعسْكَرُهُ مُصرَّفٌ تحت أَمرى والسلام " .
(2) وخطب زيادٌ4 فقال :
" أَيها الناسُ لا يمْنعنَّكُم سوءُ ما تعلمون عنَّا أَن تَنْتَفِعُوا بأَحْسنِ ما تسمعون مِنَّا " .
(3) بين ما في التوقيعات5 الآتية من جمال الإِيجاز :
(1) وقَّع أَبو جعفر المنصورُ في شكوى قوم من عاملهم :
" كما تكونوا يُؤَمَّرْ عليكم1 " .
(2) وكتب إِليه صاحبُ مِصْر بنُقْصان النيل فوقَّع :
" طَهِّرْ عسكرك من الفساد يعْطِكَ النيلُ القياد2 " .
(3) ووقع على كتاب لعامله على حِمص وقد كثُر فيه الخطأَ :
" اسْتبْدِل بكاتبك ، وإلا اسْتُبْدِل بك3 " .
(4)وكتب إليه صاحب الهند أَنَّ جُنْداً شغبوا عليه 4 وكَسرُوا أَقْفال بيت المال ، فَوقَّع :
" لو عدلْت لَمْ يشْغبُوا ، ولو وفَيْت لَمْ ينْتهِبُوا5 " .
(5)
ووقَّع هارون الرشيد إِلى صاحب خُراسان : " داوِ جُرْحك لا يتسع " .(6)
ووقَّع في قصة البرامكة :" أَنْبَتَتْهم الطاعة ،(7) وحصدتْهُم المعصية " .(8) وكتب إِبراهيم بن المهْدِى في كلام للمأْمون :
" إِن عفوت فبفضلك ، وإِن أَخذْتَ فبحقك . فوقع المأْمون : القُدْرة تُذْهِبُ الحفيظَة6 " .
(8) وقَّع زِياد بنُ أَبيه في قصة مُتظلم :
" كُفِيت " .(9
) ووقَّع جعفر بن يحي7 لعامل كَثُرَتِ الشكوى منه : كثُر شاكوك ، وقلَّ شاكروك ، فإِمَّا عدلْت ، وإِمَّا اعْتَزَلْت " .(10)ووقع في قصة محبوس :
" الْعدْلُ أَوقعه ، والتوبة تُطلِقه " .
(4)
اقرأ الحكاية الآتية وبين وجه الإِيجاز ونوعه فيما يعرض فيها من أَمثال
:" كان لرجل من الأَعراب اسمه ضَبَّةُ ابنان . يقال لأَحدهما سعْد وللآخر سُعيْد ، فنَفَرتْ إِبل لضبة فتفرق ابناه في طلبها ، فوجدها سعد فردها ، ومضى سُعيْد في طلبها ، فلقيه الحارث بن كعْب ، وكان على الغلام بُرْدان ؛ فسأَله الحارث إِياهما فأَبى عليه فقتله وأَخذ برديه ؛ فكان ضبَّة إِذا أَمسى ورأَى تحت الليل سوداً قال : أَسعد أَم سُعيْد ؟ فذهب قوله مثلاً يُضرب في النجاح والخيبة ، ثم مكث ضبة بعد ذلك ما شاء الله أَن يمكث ، ثم إِنه حج فوافى عُكاظَ فلقي بها الحارث بن كعب ، ورأَى عليه بُرْديِ ابنه سُعيْد ، فعرفها ، فقال له : هل أَنت مخبري ما هذان البردان اللذان عليك ؟ قال : لقيت غلاماً وهما عليه فسأَلته إِياهما فأَبى علىّ فقتلته وأَخذتهما ، فقال ضبة : بسيفك هذا ؟ قال : نعم ، قال : أَرنيه فإِني أَظنه صارماً ؛ فأَعطاه الحارث سيفه ، فلما أَخذه هزَّه وقال : الحديثُ ذو شُجُون1 ثم ضربه به فقتله ، فقيل له : يا ضَبة أَفي الشهر الحرام ؟ فقال : سبق السيفُ العذل2 " .فهو أَوَّل من سارت عنه هذه الأَمثال الثلاثة .
(5)
(3) هاتِ ثلاثة أَمثلة لإِيجاز القِصَر وبين وجه الإِيجاز في كل منها .
(4) هاتِ ثلاثة أَمثلة لإِيجاز الحذف ،(5) بحيث يكون المحذوف في المثال الأَول كلمة وفي الثاني جملة ،(6) وفي الثالث أَكثر من جملة ،(7) وبين المحذوف في كل مثال .
(6) بيِّن ما في قول أَبي تمام في المديح من بلاغة وإِيجاز ...
ولوْ صوَّرْتَ نَفْسك لم تَزِدْها علِى ما فيكَ من كَرَم الطباعِ
محمود إبراهيم محمد علي
مدرس اللغة العربية