نستطيع بعد الدراسة السابقة أن نلخص مباحث علم المعاني في أمرين اثنين:
الأول : أنه يبين لك وجوب مطابقة الكلام لحال السامعين والمواطن التي يقال فيها ويريك أن القول لا يكون بليغاً كيفما كانت صورته حتى يلائم المقام الذي قيل فيه ، ويناسب حال السامع الذي أُلقي عليه ، وقديماً قال العرب : لكل مقام مقال .
فقد يؤكد الخبر أحيانا كما علمت ، وقد يلقى بغير توكيد ، على حسب حال السامع من جهلٍ بمضمون الخبر أو تردد أو إنكار . ومناهضة هذا الأصل بلا داع نشوز عما رسم من قواعد البلاغة . انظر إلى قوله تعالى في شأن رًسل عيسى –عليه السلام- حين بعثعهم إلى أهل إنطاكية:" واضربْ لهمْ مثلاً أصحاب القريةِ إذْ جاءها المُرسَلون . إذْ أَرسلْنا إليهِمُ اثنين فكذبوهما ، فعززنا بثالث ، فقالوا إنا اليكم مرسلون ، قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا ، وما أنزل الرحمن من شيْ إن أنتم إلا تكذبون ، قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ) . فان الرسل حين أحسوا إنكارهم في المرة الأولى اكتفو بتأكيد الخبر ( بإن ) . فقالوا : ( انا اليكم مرسلون ) ، فلما تزايد إنكارهم وجحودهم قالوا : ( ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ) ، فأدوا بالقسم وإن واللام . وقد تخفى هذه الدقائق على غير أهل اللغة ، روى أن الكندي (1) ركب إلى أبى العباس المبرد (2) وقال له : إنى لأجد في كلام العرب حشوا !
فقال أبو العباس : أين وجدت ذلك ؟ فقال . وجدتهم يقولون : ( عبد الله قائم ) ثم يقولون : ( ان عبد الله قائم ) ثم يقولون : (ان عبدالله لقائم ) فالألفاظ مكررة والمعنى واحد ؛ فقال أبو العباس . بل المعان مختلفة ، فالاول اخبار عن قيامة ، والثاني جواب من سؤال ، والثالث رد على المنكر .
كذلك يوجب علم المعاني أن يخاطب كل انسان على قدر لستعداده في الفهم ونصيبه من اللغة والأدب فلا يجيز أن يخاطب العامي بما يخاطب به الأديب الملم بلغة العرب وأسرارها .
قال بعضهم لبشار بن بن برد : انك لتجيْ بالشيْ الهجين المتفاوت ؛ قال : وما ذاك ؟ قال : بينما تثير النقع وتخلع القلوب بقولك :
إذا ما غضبنا غضــبة مضرية هتكنا حجاب الشمس أو تمطر الدمـا
إذا ما أعرنا سيد من قبـيلة ذرا منبر صلى علينا وسلمـا
_________________
(1) هو أبو يوسف يعقوب بن اسحق فيلسوف العرب كان معاصرا للمأمون والمعتصم والتوكل ،
وله عندهم منزلة سامية ، برع في الطب والفلسفة و الحساب والمنطق والهندسة وطبائع الأعداد وعلم
النجوم ، نبغ وليس في المسلمين فيلسوف غيره ، وحذا في تأليفه حذو أسطو .
هو شيخ أهل النحو والعربية ، وله التآليف النافعة في الأدب ، وكان حسن المحاضرة مليح الأخبار
كثير النوادر ، وتوفي سنة 285 هـ .
نراك تقول :
ربابة ربة البيت تصب الخل في الزيت
لها عشر دجاجات وديك حسن الصوت
فقال بشار : لكل وجه وموضع ؛ فالقول الأول جد ، والثاني قلته في ربابة جاريتي ، وأنا لا آكل البيض من السوق ، وربابة لها عشر دجاجات وديك فهي تجمع لي البيض ، فهذا القول عندها أحسن من ( قفا نبك من
ذكرى حبيب ومنزل ) عندك !
وكثيرا ما تجد الشاعر يسهل أحيانا ويلين حتى يشبه شعره لغة الخطاب . ويخشن آونة ويصلب حتى كأنه يقذفك بالجلمد ، كل ذلك على حسب موضوعه الذي يقول فيه والطبقة التي ينشدها شعره . ومن خير الأمثلة لهذا النوع أبو نواس ، فانه في خمرياته غيره في مدائحة ووصفه .
واعتبر هذا الأصل بما كان من النبي صلى الله عليه وسلم ، فانه لما أراد أن يكتب الى ملك فارس اختار أسهل الألفاض وأوضحها فقال :
( من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله ، وأدعوك بدعاية الله ، فإني أنا رسول الله الى الخلق كافة لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ، فأسلم تسلم ، فإن أبيت فإثم المجوس عليك ) وحين أراد أن يكتب الى أكيدر صاحب دومة الجندل فخم الألفاظ وأتى بالجزل النادر فقال : ( من محمد رسول الله لأكيدر حين أجاب الى الإسلام وخلع الأنداد والأصنام ، ان لنا الضاحية(1) من البعل(2) والبور(3) والمعامي(4) وأغفال الأرض(5) والحلقة(6) والسلاح ، ولكم الضمانة من النخل(7) والمعين(8) من المعمور، لا تعدل سارحتكم (1) ولا تعد فاردتكم (2) ولا يحظر عليكم النبات ، تقيمون الصلاة لوقتها وتؤدون الزكاة ، عليكم بذلك عهد الله وميثاقه ) .
وتكون مطابقة الكلام لمقتضى الحال أيضا فيما يتصرف فيه القائل من إيجاز وإطناب : فللإيجاز مواطنه ، وللإطناب مواقع ، كل ذلك على حسب حال السامع وعلى مقتضى مواطن القول ؛ فالذكي الذي تكفيه اللمحة يحسن له الإيجاز ، والغبي أو المكابر يجمل عند خطابه الإطناب والإسهاب .
_________________
(1) الضاحية ( من النخل ) : النخلة الظاهرة البارزة الخارجة عن أسوار المدينة والعمران .
(2) البعل : النخل الراسخة عروقه في الأرض . (3) البور : الأرض الحراب التي لم تزرع .
(4) المعامي : جمع معمى وهي الأراضي المجهولة . (5) أغفال الأرض : الأراضي التي لا أثر للعمارة فيها .
(6) الحلقة بسكون اللام : السلاح عاما . (7) الضامنة من النخل : ما كان داخلا في العمارة
وأطاف بها المدينة . (8) المعين : الماء الجاري على وجه الأرض وقيل الماء العذب الكثير .
وإذا تأملت القرآن الكريم رأيته إذا خاطب العرب والأعراب أوجز الإيجاز ، وأخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي ، وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم أسهب وأطنب فمما خاطب به أهل مكة قوله تعالى :
( إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ، ضعف الطالب والمطلوب ) .
وقلما تجد خطابا لبني إسرائيل إلا وهو مسهب مطول ، لأن يهود المدينة كانوا يرون أنفسهم أهل علم وأهل كتاب فتجاوزوا الحد في المكابرة والعناد ، وقد يكون القرآن الكريم نزلهم منزلة قصار العقول فأطنب في الحديث إليهم ، ويشهد لهذا الرأي ما حكاه عنهم وعن مقدار معرفتهم بما أسفارهم .
وللإيجاز مواطن يحسن فيها ، كالشكر والاعتذار والتعزية والعتاب إلى غير ذلك ، وللإطناب مواضع كالتهنئة والصلح بين فريقين والقصص والخطابة في أمر من الأمور العامة ، وللذوق السليم القول الفصل في هذه الشؤون.
* * *
أما الأمر الثاني الذي يبحث فيه علم المعاني فهو دراسة ما يستفاد من الكلام ضمنا بمعونة القرائن ، فانه يريك أن الكلام يفيد بأصل وضعه مغنى ولكنه قد يؤدي إليك معنى جديدا يفهم من السياق وترشد إليه الحال التي قيل فيها ، فيقول لك أن الخبر قد يفيد التجسر ، والأمر قد يفيد التعجيز ، والنهي قد يفيد الدعاء ، الاستفهام قد يفيد النفي ، الى غير ذلك مما رأيته مفصلا في هذا الكتاب .
________________
لا تعدل سارحتكم . السارحة : الماشية ، يريد أن ماشيهم لا تصرف عن مرعى تريده .
لا تعد فاردتكم . الفاردة : الزائدة على الفريضة ، يقول : لا تضم فاردتكم إلى غيرها فتعد
معها وتحسب .
ويقول لك أن الخبر قد يلقي مؤكدا لخالي الذهن ، وقد يلقي غير مؤكد للمنكر الجاحد ، لغرض بلاغي بديع ، أراده المتكلم من الخروج عما يقتضيه ظاهر الكلام .
ويرشدك علم المعاني إلى أن القصر قد ينحو فيه الأديب مناحي شتى ، كأنه يتجه إلى القصر الإضافي رغبة في المبالغة ، فيقول المتفائل :
وما الدنيا سوى حلم لذيذ تنبهه تباشر الصباح
ويقول المتشائم :
هل الدهر إلا ليلة طال سهدها تنفس عن يوم أحم عصيب
وقد يكون من مرامي القصر التعريض كقوله تعالى تعالى : ( إنما يتذكر أولو الألباب ) إذ ليس الغرض من الآية الكريمة أن يعلم السامعون ظاهر معناها ، ولكنها تعريض بالمشركين وأنهم لفرط عنادهم وغلبة الهوى عليهم في حكم من لا عقل له .
ويهديك علم المعاني إلى أن من أغراض الفصل في بعض أنواعه تقرير المعنى وتثبيته في ذهن السامع ، كما في الفصل لكمال الاتصال وشبهه .
ولعل في هذه الكلمة الموجزة مقنعا في بيان ما لعلم المعاني من الأثر في بلاغة الكلام ، وما يند به الناشىْ في الأدب من أساليب ، وما يرسم له من طريق لحسن تأليفها واختيار الأحوال والمواطن التي تقال فيها .